الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

304

مناهل العرفان في علوم القرآن

العامل الثاني عشر اهتداء الصحابة رضوان اللّه عليهم بكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، يحلّون ما فيهما من حلال ، ويحرّمون ما فيهما من حرام ، ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد ، ويتعهّدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية ، دستورهم القرآن ، وإمامهم الرسول عليه الصلاة والسلام . وما من شك أن العمل بالعلم يقرّره في النفس أبلغ تقرير ، وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش ، على نحو ما هو معروف في فن التربية وعلم النفس ، من أن التطبيق يؤيد المعارف ، والأمثلة تقيّد القواعد ، ولا تطبيق أبلغ من العمل ، ولا مثال أمثل من الاتباع ، خصوصا المعارف الدينية ، فإنها تزكو بتنفيذها ، وتزيد باتباعها . قال تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً » أي هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل ، وبين الرشد والغىّ ، كما جاء في بعض وجوه التفاسير . وذلك أن المجاهدة تؤدى إلى المشاهدة ، والعناية بطهارة القلوب وتزكية النفوس تفجر الحكمة في قلب العبد . قال الغزالي رحمه اللّه : « أما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك ( أي بالحكمة تتفجر في القلب ) بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد ، إنما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة ، والجلوس مع اللّه عز وجل في الخلوة ، مع حضور القلب بصافى الفكرة ، والانقطاع إلى اللّه عز وجل عما سواه ، فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف ! فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة . وكم من مقتصر على المهم في التعليم ، ومتوفر على العمل ومراقبة القلب ، فتح اللّه له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوى الألباب . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يكن يعلم » « 1 » .

--> ( 1 ) قال الحافظ العراقي في هذا الحديث : رواه أبو نعيم في الحلية لكن بسند ضعيف